محمد حسين علي الصغير

268

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

إلى متى ينزل العبد قضاياه وحوائجه بعبد مثله ، ويسير بركاب من لا يدفع عن نفسه ضرا ، ولا يجلب لها نفعا ، إلا باشاءة محيط عزيز مقتدر ، فهلا أنزل به مهماته ، وتوجه إليه في مشكلاته ، أفعجز عن تدبير أمره ، وتسخير الحياة له ؟ ومن ذا يطاول هذه القدرة المستفيضة ، التي أدارت الشمس والقمر ، وسيرت الكواكب والنجوم ، وصرفت الأكوان والعوالم ، وأحاطت بكل شيء ، لا يعزب عنه جزئي الحياة وكليها ، ولا يفلت منه دقيق الأمور ومعقدها ، وكيف لا يكون كذلك وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 59 ) « 1 » . أفمن أحصى هذه الكائنات بدقائقها يعجز عن إدارة هذا الفرد العاجز ، ومن سخر هذه العوالم بأنظمتها المعقدة يعيا بهذا الخلق المحدود ، وكل ما في الوجود يتناهى إلا غير المتناهي ، فمن أجدر منه بالعبادة الخالصة المطلقة ، ومن أحق بالاستعانة ضرورة وفطرة . وكما جمع إلى نفسه ملكوت السماوات والأرض ، وما فيهن وما بينهن ، وما فوقهن وما تحتهن ، مما نعلم ومما لا نعلم ، فقد ضم إلى ذلك ملكوت يوم القيامة بأهواله وعجائبه ، وأحكامه وغرائبه ، وحشره ونشره ، وثوابه وعقابه ، وجزائه وحسابه ، ليتم الملك من جوانبه وأطرافه كافة . وهنا تتجلى العظمة القصوى ، وتبدو فلسفة التربية لهذا العبد الميت العائد ترابا وعظاما نخرة بالية ، والمعاد جسمانيا وروحانيا ، يتطلع إلى جيله في الحياة الدنيا ، وإذا بهم أمامه ومن حوله في الحياة الأخرى ، جنبا إلى جنب ، وإذا بمسلسل أعماله وأفعاله وإشاراته وأقواله وخباياه وخفاياه ، تنتصب ماثلة شاخصة لا يحجبها شيء ، فهي عالم حسي متحرك ينبض بالحركة ، وإذا بصوامت آثاره ناطقة ، وقوالب أعضائه شاهدة ، ذلك يوم الفصل ، والشاهد فيه هو الحاكم ، فكما بدأ يعاد ، وكما أميت يحيا ، ووضعت الموازين وحان الجزاء ، واللّه سريع الحساب يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 48 ) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ( 49 )

--> ( 1 ) الانعام : 59 .